أحمد بن أعثم الكوفي
283
الفتوح
بابها من داخلها ، فقد تعلمون أنه ليس لنا في تستر حيلة إلا أن تفتح لنا من داخلها لأجل هذا النهر الذي يدور حولها . قال : فانتدب له سبعون ( 1 ) رجلا أو يزيدون من أهل البصرة وأهل الكوفة فتقلدوا بسيوفهم ثم مضوا نحو تستر وعوف بن مجزأة بين أيديهم ، حتى جاز بهم النهر فخاضه من الموضع الذي قد عرفه ، ثم أصعدهم على عرق الجبل حتى أوقفهم على السور والحرس في وقتهم ذلك نيام لا يعقلون . قال : فنكى فيهم هؤلاء المسلمون فذبحوهم عن آخرهم ، ثم قعدوا على السور ينتظرون الصبح ، فلما كان وقت الصبح وثب المسلمون فصلوا بغلس ( 2 ) وركبوا دوابهم وتقلدوا سيوفهم وتناولوا رماحهم وقصدوا نحو باب تستر والباب مغلق ، قال : ونزل هؤلاء السبعون الذين مضوا في أول الليل فساروا إلى باب تستر من داخل ليعالجوه فيفتحوه ، وكان على الباب ثلاثة أقفال ومفاتيح الاقفال عند الهرمزدان ، قال : وكبر المسلمون من خارج الباب وكبر المسلمون السبعون من داخل الباب ، وسمعت الفرس بذلك فبادروا وخرجوا من دورهم وقصورهم وركبوا ، وركب الهرمزدان في أساورته ومرازبته نحو الباب . قال : فجعل هؤلاء السبعون رجلا يقاتلون أهل تستر بأجمعهم ، وكان قوم يعالجون فتح الباب وقوم يحاربون حتى كسروا قفلين وقتل عامة هؤلاء السبعين فما بقي منهم إلا نفر قليل . قال : وجعل المسلمون يكبرون من خارج المدينة وليس لهم في أصحابهم حيلة ، فلم يزالوا كذلك حتى قتل السبعون بأجمعهم غير ثلاثة نفر ، ففتحوا القفل الثالث واقتحم المسلمون مدينة تستر وهؤلاء الثلاثة أيضا داستهم الخيل فقتلتهم . قال : وسار المسلمون بأجمعهم حتى صاروا في مدينة تستر فجعلوا يقتلون وينهبون ، وخرج الهرمزدان عن مدينة تستر هاربا حتى صار إلى قلعة له ، وقد كان قدم أهله وولده وعامة أمواله إلى تلك القلعة في نفر من أهل بيته وخدمه وحشمه فتحصن هنالك ، وغنم أبو موسى والمسلمون جميع ما كان بتستر من أموالها وغنائمها ، ومرت الفرس على وجوهها يمنة ويسرة وقد كانوا وجهوا بنسائهم وأولادهم وأموالهم ففرقوهم في البلاد خوفا من المسلمين .
--> ( 1 ) في فتوح البلدان ص 373 ندب أبو موسى أربعين رجلا . . . وأتبعهم مائتي رجل . ( 2 ) الغلس : ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح . ( اللسان ) .